ابن قيم الجوزية
22
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إلي بأهلي ، وتقول النار اشتد حرى وبعد قعري وعظم جمري فعجل على بأهلي » وفي صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « بينما أنا أسير في الجنة وإذا بنهر في الجنة حافتاه قباب الدر المجوف قال قلت ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ، فضرب الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفر » وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد اللّه قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا ودارا فقلت لمن هذا ؟ فقيل لرجل من قريش فرجوت أن أكون أنا هو فقيل لعمر بن الخطاب فلولا غيرتك يا أبا حفص لدخلته ، قال فبكى عمر وقال أو يغار عليك يا رسول اللّه » وسيأتي حديث بلال وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك بين يدي » وغير ذلك من الأحاديث التي تأتي إن شاء اللّه تعالى . وقال عبد اللّه بن وهب أنبأنا معاوية بن صالح عن عيسى بن عاصم عن زر بن حبيش عن أنس بن مالك قال : « صلى بنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم صلاة الصبح ثم مد يده ثم أخرها فلما سلم قيل له يا رسول اللّه لقد صنعت في صلاتك شيئا لم تصنعه في غيرها ، قال إني رأيت الجنة فرأيت فيها دالية قطوفها دانية حبها كالدباء فأردت أن أتناولها منها فأوحى إليها أن استأخري فاستأخرت ثم رأيت النار فيما بيني وبينكم حتى لقد رأيت ظلي وظلكم فأومأت إليكم أن استأخروا فأوحي إلى أقرهم فإنك أسلمت وأسلموا وهاجرت وهاجروا وجاهدت وجاهدوا فلم أر لي عليكم فضلا إلا بالنبوة » فإن قيل فما منعكم عن الاحتجاج على وجودها الآن بقصد آدم ودخوله الجنة وإخراجه منها بأكله من الشجرة والاستدلال بها في غاية الظهور ؟ « قيل » الاستدلال بذلك وإن كان عند العامة في غاية الظهور فهو في غاية الغموض لاختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم هل كانت جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة أو كانت جنة في الأرض في شرفها ونحن نذكر من قال بهذا ومن قال بهذا وما احتج به كل فريق على قولهم ، وما رد به الفريق الآخر عليهم بحول اللّه وقوته .